رحلتي مع الكمبيوتر

بدأت رحلتي الحقيقية مع الكمبيوتر عندما التحقت بأول دورة تدريبية في مركز المكفوفين التابع لمعهد الدراسات والبحوث الإحصائية في سبتمبر من عام 1997. إلا أنني لما ذهبت لحضور أول محاضرة في الكمبيوتر لم يحضر إلى الدورة إلا أنا وأمير محمد موسى الذي دلني من قبل على هذه الدورات التي ينظمها هذا المركز! ساعدتنا المسؤولة هناك وهي الحاجة فاطمة خليفة على لمس لوحة المفاتيح بشكل صحيح بوضع الأصبعين السبابتين على دليل الكتابة على اللوحة، واعتذرت لعدم وجود مجموعة تكفي لبداية الدورة.
عكفت على حفظ الأزرار التي تشكل الأبجدية والأرقام والأزرار الوظيفية في لوحة المفاتيح وقد ساعدتني الإنجليزية التي أتقنها إلى حد ما ولكنني لم أكتف بذلك فطلبت منها معرفة المزيد فأرجأت ذلك للمحاضرة التالية وقد أصابها الاندهاش أنني حفظت لوحة المفاتيح في أقل من ربع الساعة.
في المحاضرة التالية كان المعمل خاليا كسابق عهده ولم يحضر أي من المشاركين بل إن أمير لم يحضر أيضا فطلبت منها أن تسمح لي بالبقاء في المعمل على أن أجرب بنفسي فوافقت على شرط واحد وهو عدم التسبب في إتلاف أي برامج أو أدوات ووافقت. لم تكن هذه المرة مثمرة كما وددت ولكنني بدأت في اكتساب صوت القارئ الآلي هال 5 المستخدم مع نظام التشغيل دوس، وكانت الحاجة فاطمة خليفةة تمر من وقت لآخر تراقب ما أفعل وتنصح وترشد، وفي نهاية هذه المرة أعطتني ملزمة بالخط المطبوع بعد أن طلبت منها أي مصدر للمعرفة في هذا الشأن، كما دلتني على شريط كاسيت مسجل بصوتها في القاعة السمعية بالمكتبة المركزية، فلم أتردد في شراء شريط لتسجيل هذه المادة في نفس اليوم وقد أسرعت للمنزل لسماعه.
أثناء سماعي لأوامر نظام التشغيل دوس كنت أتخيل لوحة المفاتيح وقد طبعت أصابعي الأوامر عليها وأتخيل صوت القارئ الذي يخرج بالنتيجة بالصواب مرة وبالخطأ مرات كما كان يحدث أثناء تواجدي في معمل التدريب.
لم أنتظر موعد المحاضرة القادمة ولكنني ذهبت إلى المركز فور انتهائي من محاضرات الكلية بحجة شكر الحاجة فاطمة على ما أدت إلي من مصادر للمعرفة وإن كان الغرض الرئيسي هو حضور ولو جزء يسير من شرحها لمجموعة أخرى متقدمة. سمحت لي بحضور الشرح بالكامل على رغم عدم جلوسي إلى حاسب مثل الآخرين ولما فرغوا من محاضرتهم ولوا مدبرين وبقيت أنا في المعمل لأتدرب ولو وقت يسير على ما سمعت من شرح فوجدت أن لغتي الإنجليزية تمر بي مر السحاب في معرفة ما سمعت. وقد دلني أحدهم على شيئ يريد أن يعرفه ولكن اللغة لم تساعده فانصرف وتركني أبحث فيه وهو الأتلس الخاص ببرنامج الهال والذي فحصته جيدا وتمكنت بعد زيارتين أو ثلاثة للمعمل من معرفة معظم ما يقدمه البرنامج الناطق لي.
اكتشفت أن هذا البرنامج الناطق يدعم برامج عدة مثل وورد بيرفيكت 6 وهو معالج نصي متكامل ومتميز يمكن من خلاله كتابة وتحرير النصوص وتصميم الجداول والأعمدة والحواشي ويغر ذلك الكثير من الخدمات مثل المدقق الإملائي الإنجليزي وما إلى ذلك.
نظمت الحاجة فاطمة خليفة أول دورة لبرنامج الوورد وترددت في أن تشركني فيها بدعوى أنني متقدم بما يكفي لمعرفة كل ما ستقوم بشرحه. وهنا أدركت أن موارد الحاجة فاطمة ستنضب أمام معرفتي متجاهلا لحقيقة ما إذا كانت تمنع عني المعرفة بشكل شخصي أو أن مواردها تنضب شيئا فشيئا وتخشى أن تتعثر في الرد على أسئلتي أثناء المحاضرات.
استكملت معرفتي بالحاسب لما سمعت من أشرف الشفقي صديقي من الكلية أنني يمكنني فتح المحرر البرمجي كيوبازيك الموجود افتراضيا في الدوس لأداء بعض الأوامر البرمجية، وهنا أنشأت نظاما متكاملا من خلال برنامج الصوت الهال للتعامل مع الكيوبازيك وبدأت رحلتي البرمجية تاركا فكرة الالتحاق بالدورات.
أعطتني الحاجة فاطمة خليفة شهادة اجتياز دورة نظام التشغيل دوس وأخرى لاجتياز الوورد بيرفيكت بتقدير ممتاز باعتماد من معهد الدراسات والبحوث الإحصائية – مركز المكفوفين.
لم أقنع بما حصلت عليه من شهادات ومعرفة في الحاسب فكنت قد بدأت معرفتي البرمجية وشرعت في تصميم أول برنامج لتحويل الخط العربي النصي المقروئ على شاشة الحاسب أو المحفوظ في ملفات نصية إلى شفرة يمكن إرسالها طباعة إلى طابعات الخط البارز (برايل) وتطلعت لنشر البرنامج فبعت منه نسخة للمركز النموذجي لرعاية وتوجيه المكفوفين بسعر زهيد جدا (450 جنيه) وقمت أيضا بتعديله قليلا وبيعه مرة أخرى بنفس السعر لمدرسة النور والأمل للكفيفات بمصر الجديدة.
كان مردود بيع واستخدام البرنامج دافعا للتطلع للخوض في غمار تصميم البرامج ولكن تجربة بيع منتج يعمل في بيئة عمل نظام التشغيل القديم (دوس) لم تكن ناجحة فنيا وإن قبلها سوق البرمجيات آنذاك! وعلى ذلك كان الأمل في تعلم نظام التشغيل ويندوز ولو بغير مساعدة من قارئ للشاشة! فالتحقت بدورة ويندوز 95 في معهد الإحصاء مع الطلاب الأسوياء بصريا واجتزت دورة الويندوز 95 والوورد 97 بتقدير ممتاز على رغم عدم وجود قارئ للشاشة علما بأنني لم أعتمد على رؤية الشاشة أو أي من مكوناتها!
ظللت أتردد على مركز المكفوفين للمساهمة في تدريب الطلاب والمتدربين المترددين على المركز من هنا وهناك فاكتسبت خبرة التدريب على الحاسب وبدأت أسعى لتطوير المركز فطلبت من الحاجة فاطمة خليفة أن نغير أنظمة تشغيل المركز لتصبح ويندوز بدلا من دوس فجل المترددين للتدريب لديهم حاسبات منزلية ويسألون عن إمكانية التدريب على ويندوز والحصول على شهادة معتمدة فيه.
طلبت مني الحاجة فاطمة الموافقة على العمل في المركز بعقد بعد أن كنت قد أنهيت دراستي الأكاديمية في كلية الآداب بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها وكان العرض طيبا إذ كنت حديث التخرج ولا أطمع إلا في تحقيق الذات بصرف النظر عن العائد المادي المتواضع.