عملي في الترجمة والتعريب

ليس غريبا على خريج في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب أن يتخذ من مجال الترجمة والتعريب مجالا للعمل والاحتراف، ولكن الغريب أن يلتفت نفس الشخص لقدراته في الترجمة في وقت لاحق وإن لم تكن له بها صلة وثيقة إلا كمادة دراسية في بادئ الأمر.

تاريخي مع الترجمة



بدأت معرفتي بالترجمة في نفس الوقت الذي بدأت فيه مهاراتي اللغوية في اللغة الإنجليزية تخطو خطواتها الأولى قبيل التحاقي بالتعليم الإعدادي، فلم أكن ملتحقا بمدرسة لغات ولم تكن المناهج التعليمية في المرحلة الابتدائية آنذاك تشتمل على اللغة الإنجليزية لغة إضافية كما هو الحال الآن، وإنما بدأت أتلقى معرفتي باللغة الإنجليزية من جدي لأمي رحمه الله رحمة واسعة، وكانت أمي تجيب عن بعض أسئلتي في نفس الأمر لاهتماماتها اللغوية آنذاك، وفور التحاقي بالتعليم الإعدادي ودراسة الأبجدية الإنجليزية بطريقة برايل، بدأت أسئلتي عن الربط بين ما أعرفه من كلمات وعبارات وبين طريقة كتابتها، ثم عرضت على معلم اللغة الإنجليزية بالمدرسة (الأستاذ عبد العزيز حسن) أن نؤسس لأسرة محبي اللغة الإنجليزية بالمدرسة، عندها، بدأ النشاط اللغوي للغة الإنجليزية في المدرسة ينمو نموا كبيرا، فكنا نلقي كلمة صباح باللغة الإنجليزية وحكمة باللغة الإنجليزية، ثم دوَى صدَى ما نفعل فتخصص لنا يوم كامل بالإذاعة المدرسية ليكون باللغة الإنجليزية مصحوبا بالترجمة العربية لكل فقراته من أجل تعليم الصغار بالمدرسة، وهذا ما جعلني أحتك بشكل كبير باللغة اليومية ولغة الأخبار والحكم والأمثال ولغة ترجمة معاني القرآن الكريم التي كنا نقتبسها من أحد برامج إذاعة القرآن الكريم لعرضها بالإذاعة المدرسية.

ومن الأنشطة المدوّية الصدَى لأسرة محبي اللغة الإنجليزية استقبالها الراقي المنظم في عام 1992 لقرينة رئيس الجمهورية (سيدة مصر الأولى السيدة سوزان مبارك) وبرفقتها الأميرة ديانا (أميرة ويلز الشهيرة)، عندها شعرت بأهمية اللغة بالنسبة لي، وأهمية طلاقتي اللغوية التي جعلت مني ممثلا لمدرستي في ذلك الوقت، وما أن انصرفت ضيفتا المدرسة حتى قوبلت بثناء حار من إدارة المدرسة لحسن هيئتي وجودة وطلاقة لساني الإنجليزي ولهجتي المحاكية لأهل اللغة الأصليين، وبات زملائي بفضولهم المعتاد يسألونني عن معاني الكلمات التي كنت أقولها ومعاني الكلمات التي قالتها الأميرة لي في حوارنا الذي استمر بضع دقائق لن أنساها ما حييت، فكنت أترجم لهم ما قالت لي وما قلت لها ولكنني لم أقنع بهذه الترجمة إذ أنها لم تعبر عما دار بحذافيره وروحه، بل كانت ترجمة لمعاني الكلمات فحسب.

وفي أحد أيام العطلات سمح لي أبِي باستعارة فيلم فيديو لكي أقضي وقتا ممتعا وليسكت مللي من وقت الفراغ الذي كنت أعاني منه في العطلات! وبينما كنت أتقصى عن شريط فيديو لطيف إذ دلني عَمي (محمد زَين) على شريط فيديو رائع، فكان عمي يعلم تماما أنني سأفرح كثيرا بهذا الشريط أكثر من أي شريط آخر، فدلني على واحد من أشرطة مناذرات الشيخ أحمد دِيدات، الذي كان يجري مناذرة مع آخر في مجال مقارنة الأديان. استعرت منه الشريط وعكفت على سماعه مرة تلو الأخرى، فتارة أهتم بالمعلومات التي يسوقها إليّ المُناذر، وتارة أُحلل ما يقوله المترجم فلا أثق به مقارنا ترجماته بكلمات الشيخ المسموعة في الخلفية، وتارة أدون بعض المعلومات والكلمات التي سمعتها من الترجمة، وتارة أنقض بعض كلمات الشيخ نفسه لأنها لم تكن معبرة بما يكفي فإن استخدم كلمة كذا لكان أكثر دقة! وهكذا بدأت أدرك الفارق اللغوي بين اللغتين العربية والإنجليزية وكيف أن سوء الفهم قد ينجم بين المناذرين بسبب الفروق الثقافية بينهما.

مهارة مبكرة



ولما التحقت بالقسم الثانوي في مدرستي وعلمت أننا سندرس فرعا جديدا في اللغة الإنجليزية خاص بالترجمة من العربية للإنجليزية والعكس، تمنيت لو أن أترجم كل حرف أقرؤه بلغة ما إلى الأخرى. فكنت أدرس الكلمات بمعانيها ومدلولاتها اللغوية المختلفة، وأهتم بالتراكيب الإنجليزية التي قد تحمل معنً في ذاتها كمثل النفي الضمني في (too, to)، والفروق اللغوية ما بين الأفعال الناقصة كمثل (should) للنصح، و(must) للإلزام، وما إلى ذلك، وهكذا كنت أصيغ العبارات المترجمة وكأنها مؤلفة بلغتها الأصلية، ولم يثنيني حَرَجِي عن مقارعة معلمي الحجة بالحجة في ترجمة الكلمات بصورة معينة تختلف عما يوجهني إليه وكثيرا ما كنت أنجح في بيان ما أبغي له.

الترجمة مادة في قسم اللغة الإنجليزية



ولما شرفت بكوني طالبا بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها بكلية الآداب بجامعة القاهرة كنت أنتظر عمالقة الأدب الإنجليزي والترجمة وعلوم اللغة، فقابلت ممن قابلت الأستاذ الدكتور محمد عناني، الذي كان رئيسا للقسم وقت التحاقي به، وأستاذا محاضرا لمادة الترجمة بالقسم، ولم يكن مستغربا أن أتابع إسهاماته في الترجمة والشعر والأدب الأجنبي سواء بسواء، كما كنت أتابع إسهامات الدكتور عبد العزيز حمودة وسمير سرحان وأميرة عجمية كل في حقل من حقول المعرفة التي يدرس لنا إياها. لكم كان فخري بأن أرى أحد هؤلاء أو غيرهم ممن يحاضروننا أو يعلموننا في قسم اللغة الإنجليزية على شاشات التلفاز أو في أروقة الثقافة والمعرفة أو أجد اسم أحد منهم بالخط العريض على أحد الكتب أو توقيع أحدهم على منشيت في جريدة رسمية.

ولكن الأمر لم يتوقف عند هؤلاء العمالقة ولكن تعداه إلى تلامذتهم النجباء، ففي الترجمة كنت أحضر للدكتورة نجلاء أبو الفتوح، والدكتورة مودة، والدكتورة هالة يسري، والدكتور خالد توفيق، وغيرهم ممن لهم الفضل في تنشئتي بصورة تمكنني من احتراف الترجمة في وقت لاحق. ففي قسم اللغة الإنجليزية، كانت الترجمة تدرس على أحد وجهين: محاضرات، بها تنظير لغوي وتقعيد للتحول الثقافي المرجو أثناء الترجمة من لغة بشرية لأخرى، والفصول الدراسية العملية، التي كنا نتعرض فيها لمقاطع من بعض الأعمال الأدبية أو العلمية أو عناوين الأخبار أو التعليقات الرياضية أو غيرها من مجالات الاحتكاك العملي بالترجمة. فتعلمت كيف أن اللغة العربية ثرية لدرجة أنها تحوي كل لغة أخرى، وأن الترجمة لا تحتاج لمعجم أو قاموس فحسب، بل أن القاموس يعتبر أدنى أدوات الترجمة، وأن الترجمة تحتاج لعقل مفسر مؤول واع بالثقافة المترجم منها والثقافة المترجم إليها على حد سواء.

لم يكن لديّ أي أمل عند تخرجي في قسم اللغة الإنجليزية أن أعمل في مضمار الترجمة وإن كنت عملت فيه مبتدئا أثناء دراستي الجامعية، إذ كانت المعرفة بكتابة برامج الحاسبات الآلية تسيطر على عقلي كما وكيفا، وكنت أتمنى أن أصير مبرمجا، ولم يكن عندي من الصبر على الترجمة ما يعينني على قبول بعض عروض العمل في الترجمة! فتصدرت كتابة برامج الحاسبات الآلية وتدريب الآخرين عليها قائمة أولوياتي في العمل.

سوق الترجمة



ولما كنت حديث التخرج في قسم اللغة الإنجليزية كنت أقبل عروض العمل في الترجمة بأسعار زهيدة مقارنة بما كنت أسمع من أصدقائي في نفس التخصص، فكنت لا أحدد ثمنا لصفحة الترجمة، ولم يكن لديّ استراتيجية محددة في حساب الكم المترجم في الصفحة، فإن ارتضى العميل أن نحسب بصفحة اللغة المترجم منها وافقته على ذلك، وإن رأى أن صفحة اللغة المترجم إليها أوْفر له ارتضيت ذلك أيضا! وبهذه الطريقة ازداد عدد العملاء وإن لم أكن أنا المترجم في بعض الأحيان، إذ أنني كنت أوزع هذا العمل على بعض أصدقائي حتى أوفّي بالكَم المطلوب من الترجمة وفي الوقت المحدد لتسليمها، فكنت أترجم الصفحة بدأً من 3 إلى 10 جنيهات، حسب قدرة العميل على الدفع.

ولم أكن في ذلك الوقت أستعمل الحاسب الآلي في إنجاز ترجماتي، بل كنت غالبا ما أستعين بأحد أفراد أسرتي لكي يملي علَيَّ النص الأصلي ثم أبدأ بترجمته ثم تمليته النص المترجم بعد ذلك، ولهذا كانت مهمتي شاقة وكنت أقضي الكثير من الوقت في إنجازها، ذلك لأنني لم أكن أمتلك حاسبا آليا شخصيا بالمنزل. أما بعد اقتنائي لحاسب آلي شخصي اختلف الأمر اختلافا بيّنً، فكنت أرسل النصوص الأصلية لأحد مكاتب كتابة المستندات، ثم أستعين بالحاسب الآلي في قراءة النص المحوسب ومن ثم ترجمته، وكتابة النص المترجم على الحاسب الآلي ثم إرساله للمكتب لطباعته. ولم أهتم وقتها بشراء ماسح ضوئي لأن الأخطاء الناتجة عن محول الصور إلى نصوص ما كانت لتساعدني بما يكفي لتحمل مسئولية الترجمة التي يستعملها مكاتب الخبرة ودراسة الجدوى والباحثين الذين يلجأون لترجماتي للاستعانة بها في إثبات أو نفي نظرياتهم البحثية، ولم أهتم وقتها أيضا بشراء طابعة حتى لا أتحمل أعباء صيانتها وتجديد أحبارها من وقت لآخر، لهذا كنت أعقد صفقات غير موقعة مع بعض مكاتب كتابة المستندات وطباعتها لكي أنجز ترجماتي بسرعة وجودة عالية.

الاحتراف في الترجمة والتعريب



لم أكن يوما أتوقع أنني سأصاب بهذا المرض الحميد الذي يجوب كل قطرة دم في عروقي، هذا المرض الذي صار ينقل كل شيئ من موضعه إلى موضع آخر، صرت أترجم الكلمات والثقافات والآراء والعلوم والأفكار والأنماط الكتابية وكل شيئ من أصله إلى صياغة جديدة يفهمها المزيد من البشر، فصرت أترجم من العربية للإنجليزية ومن الإنجليزية إلى العربية، في أكثر من حقل معرفي مثل التاريخ والجغرافيا والسياسة والتكنولوجيا والدين والقانون والعلوم الاجتماعية والاقتصادية والمالية والزراعية والصناعية والمهنية والتنمية البشرية وغيرها من مجالات، وصرت أترجم النصوص المقروأة إلى مسموعة والعكس، وأترجم الخط العادي إلى برايل والعكس، وصرت أترجم الآراء والأفكار من شخص لآخر حسب ثقافة كل منهما وخلفياته العقلية والمعرفية، بل صرت أفسر بعض الحقائق الكونية المحيطة بي لأخضعها لمعيار تفسيري يقبل الفهم والترجمة، وصارت العلوم موحدة في قالب كبير من المعرفة.

وباتت الترجمة مجالا احترافيا أسعى من خلاله للكسب والعيش الكريم وإن لم تكن مصدري الوحيد للكسب إذ أن هذا الزمان لا يكاد يعرف للمترجم حقه، فما عادت الأعمال المترجمة توزن إلا بأطنان الكلام الناقض المثبط للهمم، وراحت الأفكار الغثة توزن بالذهب والماس.